الغلاف الخارجي للكتاب، من تصميم المصمم أيوب ضبابي. حاولنا أن يُجسّد الغلاف فكرة البنية الكولاجية والتزامن.

هذه المقالة ليست محاولة ناجحة للتسويق لكتابي السردي الثاني "قلق فوات الفرص السانحة" ولا تبريرًا لبناء الكتاب غير النمطي، وليست بيانًا فنيًا، بل هي -هذه المقالة- حديث شخصي عمّ أحب، وأنا أحب التفكير في الأسلوب واللعب السردي وأنتبه له في السرد الذي أقرؤه قبل الذي أكتبه، إذ في الأسلوب والتركيب تظهر شعرية الأدب، وهنا أتأمل الشكل وارتباطه بتشكّل المعنى في السرد الواقعي. 

الفكرتان الأساسيتان خلف الشكل

أتذكر أننا -أنا والصديق طارق الجارد- كنا في معرض الرياض للكتاب، نسير في ممرات المعرض نبحث عن كتاب ما، لم نحدد بعد مكان دار النشر التي طبعته، نسير ونتحدث في أشياء كثيرة، أعلنت له دون مقدمات أنني منبهر بالتزامن الموجود في الواقع، إن كل شيء يحدث الآن: الموت والحياة والندم والضحك قصتك وقصتي وقصة بوش الابن وقصة سعد بن جدلان، دون حبكة واحدة. تيار هائل من الحيوات الهامشية، الأفعال المتقاطعة والتي لا تتقاطع أبداً في أي سياق، لاشيء سوى هذا التيار الذي لا ينتبه لأحد ولا يتوقف لأحد، إن كل شيء سوف يستمر دون مبالاة، ما يجعل حياتنا بالنسبة لهذا العالم ضئيلة وغير ذات أهمية. ولا ينقذنا من هذا السيل الجارف إلا وعينا الخاص بوجودنا، ومن خلال قصتنا الشخصية، إننا بالنسبة لأنفسنا أهم موجود في هذا العالم، بل إننا نبني قصة هذا العالم -متوهمين- حول وجودنا.

قلت هذا بحيوية صادقة كما لو أن الفكرة خطرت على ذهني الآن ونحن نمشي في المعرض، لكن ليست هذه الفكرة الوحيدة التي شغلتني، لطالما كنتُ مفتونًا بفكرة التركيب والتقاطع، يبدو لي تاريخ العالم مثل دوائر متصلة ومتقاطعة، دوائر تبدو في أول الأمر بعيدة (جغرافيا) أو بعيدة (تاريخيًا) لكنها مؤثرة الآن وهنا، ولها أثر شخصي ومباشر على حياتنا بطرق مختلفة. أفكر دائمًا بأثر قيام الحركة الصهيونية واحتلال فلسطين على حياتي الشخصية، ماذا عن بشار الأسد والصراع السني الشيعي الذي ينعكس عليّ شخصيًا -فقدت صديق طفولتي- اختراع الوجبات السريعة، شركة تويوتا ماذا عن أثر ماركس ولينين وماجد عبدالله وابن تيمية؟

قد تكون الأحداث صغيرة وضعيفة -ربما مسلسل رسوم متحركة- لكننا لا نعرف على وجه الدقة كيف يتراكم كل هذا ويتقاطع ويصنع أثره على حياة كل شخص بشكل فريد، ويساهم في تشكيل ذواتنا وقصتنا التي نرويها عن أنفسنا والعالم. نسير في هذه الحياة خاضعين لسياقات متداخلة ومركّبة، شكلت هذه السياقات ذواتنا وتاريخنا الشخصي أكثر مما فعلنا نحن.

إن الهوية معقدة وفي حركة صيرورة غير منجزة، إنها تركيب يشبه الأعمال الكولاجيّة بقدر ما، وهاتان هما الفكرتان -تزامن العالم وكولاجية الهوية- اللاتي تقفان خلف البناء الهندسي للسرد في قلق فوات الفرص السانحة.

الشكل السردي الواقعي والمعنى 

باحثًا عن شكل سردي جديد قادر على استيعاب معنى التزامن، قررت أن أجعل النص ينبني على ثلاثة أعمدة متوازية، أو أربعة. لا يستقل العمود الواحد بنص خاص، بل يتداخل السرد مرة وينفصل مرة. يحقق هذا الشكل التزامن الذي سعيتُ خلفه، إضافة إلى أنه -هذا الشكل- لا يقسم النص السردي إلى هامش ومتن -كما سيحدث فيما بعد- بل يوهم بأن كل ما يحدث هامش ضئيل أمام الحركة الكلية للسرد -كما في الواقع بدرجة ما إذ لا يوجد سرد إلا ويعجز أمام كثافة الواقع- ثلاثة هوامش يتشكل منها المتن الكلي، دون وجود متن. كنت راضٍ بهذه النتيجة، وتأكدت من المُخرج الفني للكتاب أن طباعة شيء مثل هذا أمر ممكن وسهل، إلا أن المشكلة التي جعلتي أعيد التفكير في الشكل لم تكن تِقَنية، ولكن كانت متعلقة بمسألة التلقي والقراءة، فبعد عرض النص على بعض الأصدقاء المهتمين، خرجنا بشبه إجماع على أن قراءة هذا النمط أشبه بدوامة لا فائدة منها وبلا مَخَرج، وقد يتعذر فهم أي شيء من النص إلا بقراءة كل عمود بمفرده ثم العودة من البداية وقراءة العمود التالي وهكذا:

هكذا كان شكل النص في أول مراحل الكتابة.

لأجل هذه الصعوبات في تلقي النص، أجريتُ تعديلات جوهرية على هذا الشكل الذي ربما أدّخره لمشروع كتابي الفني، وقررت أن يكون النص متنًا ‘‘كولاجيًا‘‘ غير مستقر وعلى جوانبه تعليقات وهوامش وقصص جانبية قد تكون في بعض المقاطع أهم من المتن. إذاً صار عملي في هذه المرحلة محاولة نقل هذا (التزامن والتعقيد) من الشكل إلى النص، فلم يتّبع السرد قصة واحدة، بحبكة تقليدية وخط زمني واضح، إذا كما قلت كان هاجسي الاقتراب من شكل الواقع،  من خلال البحث عن هذا التزامن والتركيب المعقد الكولاجي بحسب قدرة اللغة على تمثيل هذا الجانب من الواقع.

الصفحة رقم ٨١  من النسخة المطبوعة  ‘‘قلق فوات الفرص السانحة‘‘

ثيمات السرد

قد يكون السرد في قلق الفرص شاسعًا وغير مرتبط بثيمة واحدة مركزية، وهذا يعود لمحاولة  مقاربة الواقع، وربما لا تتحقق وحدة السرد إلا عبر صوت السارد فقط، كما لا تتحق ‘‘الوحدة‘‘ في الواقع إلا عبر تصوراتنا الذاتية. إلا أني بذلت جهدي لإظهار أثرٍ لتلك المشتركات التي أظن أنها ارتبطت بتجربة جيل الثمانينات من أبناء أدنى الطبقة المتوسطة أو أدنى، الذي كانوا الجيل الأول في عوائلهم الذين ولِدوا داخل المدن، غالبًا وُلِد الآباء في الهِجر أو البوادي. وخضعوا لمشتركات كثيرة أهمها الطبقة الاقتصادية التي ستؤثر على السلوك والخيال، وأنهم أبناء سياقات هامشية وطَرفيّة إجتماعيًا وجغرافيًا ما يجعل فرصهم محدودة. بالإضافة إلى ما يتشاركه أبناء كل جيل من أحداث سياسية كبرى أو موضات قصات الشعر والملابس، أو حتى الأنماط الموسيقية والفنية. إضافة إلى جانب شخصي من تجربتي: الإنتماء العروبي -غير المسيّس- الذي ورثته عن أمي، التي كانت أول من أسمعني أغنية أم كلثوم: أصبح عندي الآن بندقية. وهي أغنيتها المفضلة من كل أغاني أم كلثوم. هذا الحضور العروبي في السرد ظهر باعتباره مساحة شاسعة من المشتركات الثقافية، ومساحة من التشابهات الاجتماعية التي تُخفيها التصورات النمطية المتبادلة. 

وكذلك تتبعت أثر التداعيات الوجودية والنفسية لأعمال العنف العسكرية التي جَعَلَنا الإعلام والخطاب الإجتماعي في حينها جزءًا منها وإن لم نتقاطع معها بشكل مباشر كانت حاضرة في السرد، بداية من احتلال الكويت والبوسنة والهرسك، والشيشان إلى سقوط بغداد وحرب افغانستان. وفي خلفية حياتنا اليومية كان الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والصراع العربي الإسرائيلي حاضرًا، خصوصا مع استذكار نصر ٧٣ واندلاع الانتفاضة الثانية. ما يجعلني في السرد أعود بتكرار إلى التفكير في الاستعمار في كل حِقَبِه وتأمل أثر العنف المؤسسي أو الفردي، العنف المادي والنفسي، إذا لا يمكن فهم أي شيء عن السياق العربي المعاصر دون مقاربة ما لتاريخ هذا العنف الاستعماري. وثالث هذه الثيمات: الأمراض العقلية غير المشخصة. لا يُقارب السرد في ‘‘قلق فوات الفرص السانحة‘‘ هذه الثيمات إلا من جهة الهامش واليومي التافه، الحميمي، والقصص الفردية التي لا تظهر في الصورة الكلية المُكرّسة. 

في قصة (مكافحة الدبابات) وهي القصة الأولى في الكتاب، يبدأ النص بسارد يخبرنا عن وضعه الصحي المرتبط بالقلق، وفي ذات الوقت يسير بجواره نص عن علاقته بشاعرة أردنية تنقل السرد إلى معركة الكرامة والجندي خضر شكري يعقوب، وفي أثناء هذا يخبرنا السارد عن تطلعاته لانتاج فلمه الأول، يتشعب السرد في هذا الفلم المتخيل ليدور في مسارات مختلفة: طاش ماطاش - أفلام محمد خان - ذكريات الطفولة والشتاء - قبيلة المرازيق في تونس ومقاومة الاستعمار الفرنسي - المسلسل السوري مرايا - أوضاع الأسرة الاقتصادية المتواضعة - العربي باطما وناس الغيوان - عبلة كامل - ذكرياته مع لعب كرة القدم والأفلام - المورسكيون والتطهير العرقي … الخ إلى أن ينتقل السرد إلى مرض الزوجة الغريب الذي يبدو مرتبطًا بحالة صحية عقلية، ومحاولة تشخيصها وعلاجها في  تشيكوسلوفاكيا  إلى أن ينتهي السرد بطرق العناية بسلامة الطعام، وهو مقطع مقتبس من دليل ارشادي للتعامل مع التسممات الغذائية.

في قصة (قلق فوات الفرص) يبدو السرد أكثر تعقيدا وتقطّعًا، يبدأ من د صبحي يدخل منزله ثم علاقته بزوجته الهندية التي تموت أمها، وهو جزء من محاولة ملاحظة الهامش وتأمله. إذ غالبًا ما يغيب ‘‘غير السعوديين‘‘ عن أعمالنا الفنية رغم كثافة حضورهم في الواقع.

تموت أم المرأة الهندية، ينتقل النص إلى السارد وهو يتأمل صبحي وعلاقته به، ولعبة الشطرنج التي جمعتهم، ثم نص قصصي مستقبل من كتابة القاصة السورية رشا عباس، ولا يربطه بالنص الأساسي إلا أنه قد يكون محاولة للتفكير بالاستعمار والمستعِمر من خلال السخرية من اللغة الألمانية وحياة رشا عباس الشخصية، التي تركت سوريا واستقرت لاجئة في ألمانيا.

يعود السرد إلى د صبحي والسارد وهما في طريق السفر من ينبع إلى جدة، ينقطع السرد لننتقل لقصة جريدل الجهني والحملة الفرنسية العسكرية التي قادها نابليون على مصر. بعد هذا الانتقال الطويل يعود السرد ليتتبع كوابيس السارد المضنية، ثم علاقته بجده، وحرب الخليج، وذكريات الطفولة، والأمراض العقلية وصدام حسين … الخ

يتزامن مع هذا السرد هوامش وتعليقات جانبية مكتوبة على طرف الصفحة الخارجي، دون ربطها بجملة معينة، إذ ليست هامشًا لشيء محدد، كما لو أن النص يستثير هذا الهامش الموازي والمتزامن لكن دون تحديدات صارمة لزمنه وموقعه.

في قصة (التماسيح) وهي القصة الثالثة والأخيرة في الكتاب، يسير السرد على نفس هذا التشعب والالتفاف، لكنه يتجه أكثر إلى الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لا من جهته العسكرية وحسب بل باعتبار أثره الوجودي على الشخص، على تطلعاته وكوابيسه وعلاقته وحتى أمراضه، الاحتلال باعتباره مشكلة اجتماعية ونفسية قبل أن يكون عملاً سياسيًا عسكريًا.

يضعُ النصُ القارئَ أمام استعارة تلاعبيّة غير بريئة، إذا يقابل بين دخول لص فانتازي لمنزل السارد وبين دخول عصابات الهاغاناة الحقيقية لحيفا، لكن النص كله يحدث في منزل السارد وفي روحه.

في أثناء هذا تتزامن مع السرد في الهامش الجانبي مذكرات حقيقية لأسعد أبو العردات، يخبرنا في مذكراته عن تاريخ العائلة في حيفا ولحظة دخول العصبات الصهيونية إلى حيفا. يقطع هذه المذكرات لحظات من الانفصال السردي، بصور إعلانات تجارية لمنتجات وخدمات استهلاكية غير ضرورية. ليُكمل النص بهذه الإعلانات التجارية المُقابلة بين واقعين، أحدهما حَرِج وخطير ويشكل تهديدًا، والآخر ترفيهي وكمالي ومسلي أحيانًا، مثلما أن في الواقع عالمين: عالم خاضع -الآن-للتهديد والعنف والإبادة والقصف، عالم آخر يعبر عن وجوده بالتسوق والسلع الجميلة. عالمان متقاطعان في تطبيقات التواصل إذ ترى المأساة ثم يليها إعلان تجاري ناجح، ثم المأساة:

صفحتان من النسخة المطبوعة، في هذا الجزء من قصة ‘‘التماسيح‘‘ يتسلل النص الموازي من الإطار الجانبي للصفحة إلى أن يتموضع في مكان النص الرئيس، وفي الأثناء تعارضه الإعلانات التجارية، تفرض هذه الإعلانات انزياحات كبيرة في الشكل والسرد.

لعل طبيعة بناء النص تصلكم الآن  -مع هذا الاختصار المُخِل لهذا السرد الشاسع- لم يكن التجريب في ‘‘قلق فوات الفرص السانحة‘‘ لعبًا شكليًا، بقدر ما كان محاولة لمقاربة منظور جديد لما يمكن أن يكون عليه النص الواقعي. واقعي من جهة بنيته ومن جهة ما يحاول قوله. 

إذا يمكن أن أقول الآن، أن التجريب الشكلي في قلق فوات الفرص السانحة كان محاولتي لمقاربة جديدة لشكل السرد الواقعي، الذي كان محصوراً بوهم وجود حبكة وخط زمني وقصص واضحة مستقلة، أي أن الرواية الواقعية كانت تحاكي  السرديات التي نبنيها عن الواقع ولا تقارب شكل الواقع نفسه.