أكمل قراءة المقال للتعرّف على ورشتنا القادمة في كتابة القصّة التجريبية.
مقدّمة
إنّ أروع الأعمال التجريبية هي تلك الّتي تُكتُب عن إدراكٍ عميقٍ بالأسس الجوهرية للكتابة، فكأنّ مؤلفيها أتقنوا الطيران الحر بعد أن اختبروا آلاف الأجنحة المهندَسة، لا شيء يضاهي قراءة عمل متقن من هذا النّوع، والقصّة الّتي أتحدّث عنها اليوم تمثّل درجةً ساحرة من الإدراك المفاهيمي، وحُريّة إبداعية تُغبط الكاتبة عليها.
تعرّفتُ على هذا العمل العبقري عبر القاصّة والشاعرة وأستاذة الكتابة الإبداعية Shaelin Bishop، وهي المتحدّثة المفضّلة لي في هذا المجال عمومًا. تناقش شايلين في هذا الفيديو الشكل السردي في الأعمال التجريبية عبر استعراض أكثر من عنوانٍ قصصي وشعري، تقول في مقدّمة الفيديو - بترجمةٍ متصرّفة - :
ينبغي أن يكون الشكل السردي الذي تُكتب به القصة منسجمًا مع مفاهيمها وموضوعاتها وأفكارها، بحيث يعزّزها ويتناغم معها ويغدو جزءًا لا يتجزأ منها، بدلًا من أن يكون مجرد وسيلة لتحقيقها. هذه هي القاعدة الأساسية للكتابة التجريبية: فإذا جاء الشكل اعتباطيًا خرجت القصة باهتةً غير مقنعة، أما إذا كان متماسكًا ومنسجمًا مع مفاهيم القصة — بل إذا أصبح الشكل هو المفهوم ذاته، بحيث لا يوجد أحدهما دون الآخر — شعر القارئ بأن التجريب مستحق وضروري. وأعتقد أن الأدب التجريبي ينجح فعلًا عندما يحدث ذلك.
Insta
تدور الأحداث - إن صحّ استخدام التعبير - حول مؤثّرة مراهقة في انستغرام تعاني من غياب والدتها التي تعمل كناقدة فنية نخبوية، يكشف النّص عن مداراة البطلة لهذا الغياب بكلّ ما تستطيع حتّى ينفلتُ حزنها في النهاية، وهذا ما يجعل عنوان Insta مناسبًا جدًا، لا Instagram بالطريقة الّتي يكتبها جيل الألفية، بل Insta كما يكتبها جيل المراهقين الّذين يميلون إلى اختصار المفردات والتعبيرات اللغوية ممّا يجعلهم يظهرون بمظهرٍ غير مبالٍ مهما كانوا مبالين.
تتميّز القصّة بأنّها كُتبت على شكل منشورات انستغرام منسوبة لحساب المراهقة، بحيث يقصّ كل منشور جزءًا من حكايتها الشخصية وعلاقتها الشائكة بأمّها، ثمّ تجتمع المنشورات لتؤلّف نسيجًا قصصيًا متكاملاً له بداية ونهاية وخطّ سردي واضح سنفصّل فيه لاحقًا.
يُفتتح كل منشور برقم يشير إلى ترتيبه بين المنشورات، يعقبه وصفٌ بليغ وأدبي للصورة مكتوب بصيغة الراوي الثاني: "تعصف الرياح بشعرك فيتجمّع في عقدةٍ متشابكة، وترتفع قدماك الحافيتان باتجاه السماء كقدمي راقصة باليه….".
أسفل الوصف الصوري نجد الوصف النّصي الّذي يُضاف عادة في منشورات انستغرام بلغة شبابية أقلّ تكلّفًا: "نزهة شاطئية في عطلة نهاية الأسبوع مع الأسرة! الشمس مشعّة لكن الجو بارد جدًا! هذا طقسي المفضّل حيث أستطيع ارتداء أكثر ملابسي دفئًا وراحة …". أحيانًا تستخدم الراوية الـ mentions للإشارة إلى الأفراد الّذين يشاركونها الصورة أو العلامات التجارية الّتي ترتديها.

البنية الزمنية
لا يشير النّاس عادةً مباشرة إلى توقيت منشوراتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، بل يتركون الأمر لعنصرين: التاريخ المعروض في ذيل المنشور، وتسلسل المنشورات وعلاقتها ببعضها، حتّى أنّك بتصفّح حسابات الأفراد إنّما تتصفّح إرشيفًا لتطوّرهم البصري وتباين أنماط حياتهم وتقلّب اهتماماتهم عبر السنوات.
كان بإمكان الكاتبة استخدام التأريخ للإشارة إلى توقيت المنشورات، لكنّها استخدمت الترقيم كما أسلفنا، أوّلاً لتشير إلى عدد المنشورات الّذي بلغ ٦٢٥ منشورًا في الحساب، ثانيًا لتعطي تصوّرًا واضحًا عن ترتيب المنشور وعلاقته ببقية المنشورات، فبالقراءة نعرف أيّ المنشورات متتابعة أو متقاربة.
ثم اختارت سرد المنشورات خلال خط زمني غير منتظم: ٦٢٠، ٥٥٠، ٥١٤ ٥٦٦، … ٤٨٩ …، لكنّ هذا التشظّي لم يكن عشوائيًا كما قد يتصوّر القارئ في الوهلة الأولى، فمثلاً، نجد آخر منشورات القصّة قد صُفّت بهذا الترتيب: ٦٢١، ٦٢٢، ٦٢٣، ٥٦١، ٥٩٩، ٦٢٠.
تعرض الساردة في المنشورات المتتابعة ٦٢١، ٦٢٢، ٦٢٣ مقتطفات من لقاءٍ تلفازي مع أمّها عبّرت فيه عن احتقارها لهواية ابنتها، ويمكن اعتبار هذه المنشورات ذروة القصّة. المنشورات ٥٦١ و٥٩٩ و٦٢٠ هي منشورات مكررة، أُعيدت كتابتها لتظهر الحقيقة الّتي تغنّت بها الأم في المقتطفات وهي تتحدّث عن العالم الزائف الّذي تعيش فيه ابنتها، حقيقة العلاقة بين أمٍّ مهمِلة غائبة وطفلةٍ مجروحة لا ترجو أكثر من أن تصطحبها أمّها إلى عرض الباليه وتعزّي نفسها بأنّ حياة غيرها من الأطفال أكثر بؤسًا.
وحدة السرد
لم أكن أنوي الإشارة إلى الحبكة - إن جاز التعبير - في الفقرة السابقة، لكنّ النّص القوي المتماسك يعسّر عليك الحديث عن عنصرٍ دون الإشارة إلى آخر، لا أستطيع الحديث عن الزمن دون الإشارة إلى الشكل السردي، ولا عن الشكل السردي دون الإشارة إلى تطوّر الأحداث، ولا عن الأحداث دون الإشارة إلى الشخصيات.. هكذا تتحد العناصر مع بعضها البعض لتخرج بهذا المخلوق العضوي المدهش المدعو بالقصّة القصيرة.
إنّ الشخصية الرئيسية هنا مراهقة مؤثّرة في عالم الموضة، تناقش ضمنيًا في منشوراتها الصراع بين الشعبوية والنخبوية، وبين الجيل القديم والجديد من المشاهير، وتعيد مساءلة الزيف، فهل من اختيار أفضل للشكل السردي من انستغرام؟ ثمّ إنّ الكاتبة بهذا الاختيار تنزاح صراحةً إلى صفّها، فكأنّها تتآمر معها ضد الناقد النخبوي متمثلاً بالأم حين تختار الكتابة عبر وسيطٍ يحتقره.
الخطّ السردي وتحليل المنشورات
من الأمور الممتعة في هذا النّص، غياب السرد القصصي الصريح، فنحن في العادة لا نستخدم انستغرام لعرض الأحداث على طريقة الروايات والقصص، بل نلتقط القصّة من الصور والأوصاف النصية والفلاتر المستخدمة وتباين الجودة التقنية بين المنشورات … وغيرها.
والكاتبة استخدمت انستغرام بذكاء كإطارٍ مثالي للتقنية المشهورة "show don't tell" أو "أرني ولا تخبرني"، وسأستعرض كيف فعلت ذلك بتحليل دور كلّ منشور في إتمام القصة:
١. في المنشور الأول٦٢٠، نجد الكاتبة تضع بذور العلاقة بين الأم والابنة، حين تصف الفتاة في الصورة بـ: ""أنت في السادسة عشرة. شعرٌ أشقر مائل إلى البياض، وجهٌ نحيل، وابتسامةٌ عريضة تكشف صفًّا كاملًا من الأسنان. نسخةٌ طبق الأصل من صور أمك في أيام الثانوية. تقفين في وسط مجموعة من المراهقين، جميعهم جميلون. ترتدين فستانًا مخمليًا بنفسجيًا، وجوارب سوداء شفافة تمتدّ صعودًا على فخذيك … إلخ" ثمّ نجد في الوصف النّصي هذه الإشارة إلى الأم بعد أن تسرد ما لا يقل عن عشر أسماء مشهورة في وسط مؤثري انستغرام الذين التقت بهم: "ولا تنسوا أيضًا متابعة مقابلة أمي الليلة في برنامج New York Art Beat، سأخرج خلسة لأشاهدها على هاتفي".
تشير الكاتبة هنا إلى حضور الأم الكثيف في وعي ابنتها مهما كانت بيئتها مزدحمة بالآخرين، وتشير كذلك إلى تطلّعها لها وفخرها بها.
٢. في المنشور الثاني ٥٥٠، نجد حضورًا للأم في الصورة، ولكنه حضور ناقص فكأنّها ترفض أن تُوجد كاملةً داخل إطار ابنتها: "تخرج ساقُ والدتك من إطار الصورة، مرتديةً بنطالًا كحليًا وصندلًا. تبدو الصورة ضبابية قليلًا". في الوصف النّصي، تحاول الفتاة انتزاع أمّها إلى عالمها حين تشير إلى العلامات التجارية الّتي ترتديها: "بنطال من @bananarepublic وصندل من @birckenstockusa".
٣. في المنشور الثالث ٥١٤، نشاهد الفتاة وهي تحمل رخصة القيادة الّتي حصلت عليها مؤخرًا، ويُورد ذكر أمّها في النّص الوصفي كراعٍ غائب في هذه المناسبة: "سافرت أمّي إلى إقليم فينيتو لتجري أبحاثًا متعلّقة بكتابها الجديد، لذا استوليتُ على سيارتها "غراند شيروكي" حتّى تعود، مع ذلك، لم يتبقَ على الكريسماس سوى بضعة أشهر، ولذا أعقد إصبعيّ أملاً في هدية تأتي في علبة صغيرة، إن لم تكن مجموعة مفاتيح سيارة".
تُداري فتاتنا آلام الشوق ما استطاعت، لكنّ هذه الآلام تتسلّل عبر النبرة المحتقنة، وعبر الاستيلاء على ممتلكات الأم كفعل عدواني ساخط، ثمّ إنّ الهدية المتمنّاة تُشير إلى اعتياد الفتاة الحصول على تعويض مادّي للغياب.
٤. حتّى الآن، تواجدت الأم في الخلفية ولم يكن حضورها مركزيًا، في المنشور الرابع رقم ٥٦١ - والّذي سيُعاد كتابته لاحقًا - يحدث التغيير حين تبدأ الفتاة حديثها بالإشارة مباشرة إلى انتظار الأم المشغولة بمهنتها: "بانتظار أن تنهي أمّي تفريغ ملاحظات أبحاثها لأتمكّن من مفاجأتها بتذكرتين إلى عرض الباليه! عندما كنتُ صغيرة كنّا نذهب كلّ عام لمشاهدة The Nutcracker ولا أظن أنّ الكريسماس يكتمل بدونه".. الفتاة هنا لا تتحدّث فحسب عن الحدث المنتظر، بل ترثي طفولتها الّتي كانت زاخرة بحضور الأم.
٥. تستمرّ المنشورات على هذا المنوال، حيث تشير إلى الأم مباشرةً أحيانًا، وعرضًا أحيانًا، وتتجاهلها أحيانًا أخرى، لكن ما نلمسه في كل منشور هو الوحدة الشديدة للمراهقة، وتعويضها عن غياب الحب بالاستهلاك المادي: "اليوم عيد ميلادي السادس عشر! أعلم أنّه من المفترض أن أقيم حفلة كبيرة ومجنونة، لكن أمي مسافرة خارج المدينة للعمل. أنا ولياه تسوّقنا طوال الصباح، وحصلتُ على بعض القطع الرائعة"، "التالي على قائمة الأفلام فيلم Home Alone، الأفلام القديمة هي المفضلة لديّ لأن التكنولوجيا لم تفسدها. تخيّلوا لو تخلّفتُ عن رحلةٍ عائلية؟ كل ما سيكون على والديّ فعله هو التحقق من حسابي على إنستغرام."
٦. نصل إلى ذروة القصّة في المقتطفات الّتي تعرضها الفتاة من مقابلة الأم حيث نتعرّض للمرة الأولى إلى وجهة النظر الأخرى: "فيديو. تجلس أمّك على كرسيّ بذراعين في المكتبة، والرفوف خلفها مصطفّة بكتبٍ سميكة تبدو مهيبة. ترتدي بلوزة خضراء داكنة مدخلة في بنطالٍ أسود، وفوقها سترة بيضاء"، "«لم أكن أعرف هذا، لكن ابنتك مشهورة على إنستغرام. أهذا صحيح؟» يسأل المحاور، رجل نحيل في منتصف العمر يرتدي نظارة بإطار سلكي، تضحك والدة جيمّا: «أظن ذلك، لم أكن أعرف المصطلح من قبل»، «ما رأيكِ؟ هل يبدو الأمر غريبًا؟ ما موقفكِ من ثقافة الإنترنت بصفتكِ مؤرخة فن؟».
في المقتطف الثاني، تعبّر الأم عن رأيها في ابنتها مباشرة: "كما تعلم، يبدو أنها تبذل جهدًا كبيرًا، أعترف لها بذلك، لكن ليس هذا ما كنت سأختاره لها. لقد نشأت محاطة بالفن، وكنت أظن دائمًا أنها ستفهم البحث عن الحقيقة، والسعي إلى فهم الواقع وشرحه، وتأويل الحياة. هذا ما يفعله الفنانون، أو ما ينبغي أن يفعلوه. أمّا وسائل التواصل الاجتماعي فتبدو لي ثقافةً تحتفي بالزيف. قد تكشف الكذبة الحقيقة أو تجعلها أكثر واقعية، لكن إنستغرام يريد التراكم: مزيدًا من الإعجابات، مزيدًا من الأصدقاء، مزيدًا من المتابعين".
عندما قرأتُ للأم هذا الرأي الشائع والكليشيهي جدًا، شعرتُ بلذّة أن تنقلب الكاتبة عليها، وأن تنحاز إلى الفتاة المسكينة، قكما أسلفتُ سابقًا، يمثّل اختيار هذا الشكل السردي تمرّدًا على الفنون التقليدية على مستوى الكتابة على الأقل.
في المقتطف الثالث، يصل استخفاف الأم بابنتها ذروته عندما تقول أنّها "اطّلعت" على حسابها على انستغرام، وتمتدح جمالها الّذي تعزوه إلى كونها ابنتها، "لكنّها ستتجاوز الأمر قريبًا"، تعلّق الفتاة بجملة واحدة: "لدي أربعون ألف متابع، يبدو بأنّك لستِ منهم يا ماما".
٧. في الخط الزمني الطبيعي، الفيديو الثالث للأم كان آخر ما نشرته الفتاة في حسابها، لكنّ الكاتبة تعيد بعد ذلك كتابة ثلاث منشورات لتبدّل الزيف بالحقيقة، الأوّل هو منشور عرض الباليه: "تشاجرنا تلك الليلة، لم ترغب أمي بالذهاب إلى عرض الباليه، لاحظتُ ذلك عندما فاجأتها بالتذاكر. سألتُها عمّا يزعجها، فأرادت أن تعرف إن كان بإمكاننا تأجيل الحضور. في النهاية ذهبنا، لكن السحر كان قد تلاشى، أتمنى لو أنني لم أحاول، الحنين أفضل من خيبة الأمل، الحنين يجعل عظامك تؤلمك وبطنك يتلهّف للمزيد، لكن خيبة الأمل تجعل كل تلك الذكريات الجميلة فاسدة ومتخثّرة في رأسك"، الثاني هو المنشور المتعلق بعيد الأم: "أعرف أنّ أمي ستعود إلى المنزل، أخاف ألا تعود، أختلق في ذهني سيناريوهات تلتقي فيها بشاب إيطالي وسيم في فينيتو وتهرب معه، أو تتحطم طائرتها في وسط الأطلسي ويزرقّ جسدها وهي تغرق. لكنني أعلم أن هذه الأمور غير مرجّحة".
٨. تُختتم القصّة بإعادة المنشور ٦٢٠ الّذي بدأت به "السردية" مع اختلافين جوهريين، الأوّل في وصف الصّورة الّذي يُعاد كتابته، فبدلاً من استخدام اللغة الحماسية والسعيدة الّتي استُخدمت في البداية، وبدلاً من الوصف التفصيلي للمشهد فيما يزيد عن عشرة أسطر: "أنت في السادسة عشرة. شعرٌ أشقر مائل إلى البياض، وجهٌ نحيل، وابتسامةٌ عريضة تكشف صفًّا كاملًا من الأسنان… إلخ" نجد الكاتبة تختصر الوصف في جملة واحدة: "تقفين وسط مجموعة من المراهقين، وقد ارتسمت على وجهك ضحكة، وعيناك مثبتتان على ركبتيك".
وأمّا الاختلاف الثاني ففي الوصف النّصي - الـ caption - أسفل الصورة، فبدلاً من الحديث المصطنع عن اليوم الرائع الّذي تعرّفت فيه الفتاة على مؤثّري انستغرام وبدلاً من إدراج العلامات التجارية الّتي ترتديها، نجدها تتحدّث عن اعترافها بالوحدة وحيرتها أمام امتلاك جمهور غفير مقارنةً بتجاهل أمّها: "أنا وحيدة الليلة، ومدركة تمامًا لغياب من يحبّني في هذا المكان، لا أعرف حقًا لماذا أنتم هنا، ولماذا تعجبكم صوري وتشاركون قصصكم الخاصة في التعليقات. لا أحد منكم يعرفني على حقيقتي، تلك الفتاة التي تقضم أظافرها وتتألّم بطنها في السيارة عندما نتجاوز سرعة خمسة وأربعين ميلًا.. إلخ".
تكتب الفتاة كذلك نصًا فائق الجمال عن الزيف الّذي ترميها أمّها به: "أحب إنستغرام، مجرد أن شيئًا ما ليس حقيقيًا لا يعني أنك لا تستطيع أن تحبّه، أملك عقدًا من اللؤلؤ المزيّف، اشتريته من متجر سياحي في أتلانتيك سيتي قبل سنوات، ولديّ عقد لؤلؤ حقيقي حصلت عليه في عيد ميلادي العام الماضي وأحتفظ به مغلقًا في صندوق مجوهراتي، أخشى أن ينكسر أو أضيّعه، لذلك أرتدي المزيّف بدلًا منه، خَمِّنوا أيهما أحب أكثر".
مجرد أن شيئًا ما ليس حقيقيًا لا يعني أنك لا تستطيع أن تحبّه.. أتتحدّث عن العِقد يا تُرى أم عن نفسها؟
الإيقاع
استطاعت الكاتبة رغم محدودية مساحة الحركة خلق إيقاعٍ ممتازٍ للقصّة ينعكس على تباين انفعالات القارئ، فالمشهدين الأوّلين ساكنين هادئين يشبهان مقدّمة فيلمٍ صيفي: "أنت في السادسة عشرة. شعرٌ أشقر مائل إلى البياض، وجهٌ نحيل، وابتسامةٌ عريضة تكشف صفًّا كاملًا من الأسنان…"، " "أنتِ على الشاطئ، تقفين على يديكِ تقريبًا، تنزلق سترتكِ لتكشف عن بطنك، وتتدلّى نظارتك السوداء من طراز وايفيرر عن وجهك…".
يتصاعد الإيقاع تدريجيًا لندرك ببطئٍ الدور السلبي للأم في حياة ابنتها، نزداد انفعالاً وتعاطفًا حتى تصل القصة ذروتها باللقاء التلفازي، إذ نبصر حينها مدى انفصال الأم عن حقيقة ما يختلج في صدر ابنتها المراهقة وتبجّحها بالبحث عن الحقيقة في حين أنّ علاقتها الأمومية بابنتها علاقة سطحية ومزيفة.
لم تتوقف الكاتبة عند ذلك، بل أمعنت في الكشف عن هذا الزيف وفي إحكام تعاطفنا حين كشفت الحقيقة خلف بعض المنشورات الّتي حاولت بها الفتاة درء آلامها بالتلاعب بالأحداث الدائرة مع أمها، فلو سقط الزيف فعلاً كما ترجو الأم لانكشف الوجه المهمل والقاسي لها.
تُختتم القصة بصورة صيفية هادئة أكثر صدقًا هذه المرة لتكتمل الدائرة ويعود الإيقاع ساكنًا كما بدأ، حتى أن لغة الفتاة لم تكن انفعالية بل منقطعة الرجاء، وأخيرًا تظهر المفارقة بين عقدي اللؤلؤ كآخر نوتة مثالية للمقطوعة.
ختامًا
عندما أنهيتُ القصة، فكرتُ بمدى انقطاع أدبنا عن الواقع حين يعامل الشبكات الاجتماعية كمكونٍ ثقافي شفاف يشير إليها ضمنيًا على استحياء دون الاشتباك معها، وتذكرتُ نصوصًا كلاسيكية أوروبية عاملت "الصحافة الصفراء" بذات التجنبية والخزي، وهذا مفهوم. في هذا اللقاء يجادل بروفيسور الفلسفة جاريد هندرسون بأنّ الصحف في القرن التاسع عشر استخدمت ذات التقنيات المستخدمة اليوم لـ"سرقة" انتباه الناس وتشتيتهم، وهذا يؤهلها لدور المقابل الشيطاني للشبكات الاجتماعية.
مع ذلك، كسر ثلّة من الروائيين العداء بين الأدب والصحافة حين استعانوا بعناصر من الصحافة لكتابة مؤلّفاتهم، الرواية الشهيرة قصّة موت معلن لغابرييل ماركيز الّتي استخدم فيها خبرته الصحافية، ورواية In Cold Blood لـترومان كابوتي التي تدور حول قصة قتل حقيقية أعاد ترومان كتابتها بدقّة باستخدام المقابلات والرسائل وتقارير الشرطة، وأخيرًا رواية الجندي الطيب شفيك الّتي كُتبت بلغة تقريرية ساخرة مستوحاة من المؤسسات الإعلامية البيروقراطية.
إلى أي مدى يمكن للكاتب المعاصر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيط أدبي يتقصى عبره صراعاتنا غير المسبوقة تاريخيًا؟ هل يمكن أن نجد للأدب مساحةً بين رغبتنا المزمنة بالتواجد وسط السيل البشري العارم لتويتر وانستغرام وسنابشات، وبين شعورنا بالوحدة والغثيان الذي يعقب هذا التواجد؟
لعرض لهذه الأفكار عمليًا، نظّمنا في المشهد الأوّل ورشةً حول "استخدام تويتر (إكس) كوسيط أدبي للنصوص السردية"، تُقام تاريخ ١٨ إبريل ونتباحث فيها العناصر الروائية في الكتابة التجريبية وتطبيقاتها في تويتر، للمزيد من التفاصيل تابعوا حساباتنا في "وسائل التواصل الاجتماعي".
