إذا جاز لنا تصنيف منظّري السرديات إلى نوعين، أولئك الشغوفون بالمتشابه من القول، وأولئك الشغوفون بالمختلف منه، فإنّ فلاديمير بروب، يقف دون شك في طليعة النوع الأول. البنيويون المفتونون بالأنماط، المؤمنون بالمشتركات الثقافية، الغافلون عن السياقات والثيمات المتعدّدة، مهندسوا السّرد ومحللوه الرياضيّون.

وُلد فلاديمير بروب في سانت بطرسبرغ لعائلة ألمانية ثريّة، درس بين عامي ١٩١٣ و١٩١٨ الفيولوجيا (فقه اللغة) الألمانية والروسية، وبعد تخرّجه، اشتغل بتدريس اللغتين في المدارس الثانوية قبل أن يتفرّغ لتدريس الألمانية في الجامعة.

ورغم طول انشغاله بالألمانية، اللغة الأم لعائلته، إلاّ أنّه ألزم نفسه لسنوات بدراسة وتحليل مئة قصّة من الفلكلور الروسي، ليضع خلاصة هذا الجهد في كتابٍ معقّدٍ وشائك عنونه بـ:"مورفولوجيا الحكاية الخرافية"، والمورفولوجيا هي علم دراسة الأشكال والبنى الداخلية والخارجية للأشياء، أي أنّ بروب كان يهدف إلى تقسيم بنية القصّة إلى أجزاءٍ وظيفية يمكن تعميمها كما يعمّم فيزيائي نظريات الحركة على الأجسام، وكما يعمّم بيولوجيّ التّشريح المشترك بين الفقاريات.

ولما نذهب بعيدًا وأقرب مجالات "المورفولوجيا" إلى أسلوب بروب هو علم الصرف؟ فمثلما يقسّم النحويّ الجملة إلى: فعل وفاعل ومفعول به دون أن يهتمّ بقائل الجملة أو معناها أو تاريخها، قسّم بروب القصّة إلى ٣١ وظيفة مشتبكة مع بعضها دون أن يعبئ بدلالاتها، نستعرض منها أوّل عشر وظائف، وللاطّلاع على بقيّتها، يمكن للقارئ المهتمّ النّظر في المصادر.

١. الغياب: عضوٌ في مجتمع البطل - أو البطل نفسه - يغادر المحيط الّذي يمنحه الأمان طوعًا أو كرهًا.

٢. التحريم: أوامر بالمنع تُمرّر إلى البطل (لا تذهب إلى هذا الجبل، لا تنقذ هذا الشخص، لا تنصع لهذا السّلطان).

٣. انتهاك المحرّم: يكسر البطل - أو شخصٌ غيره - قاعدة التحريم ليخلّ بعالم القصّة ويفضي إلى دخول الشخصية المضادّة، الخصم أو الغريم.

٤. الاستطلاع: يجمع البطل والغريم معلوماتٍ تساعدهما على فهم طبيعة بعضهما البعض، بالتجسّس أو باستمالة طرفٍ ما أو بالتقصّي البريء. 

٥. التوصّل: يحصل البطل أو الغريم على بعض المعلومات الّتي يسعيان إليها والّتي تؤهلهما للاشتباك.

٦. الخداع: ينصِب الغريم للبطل خديعةً للحصول على شيءٍ ثمين بحوزته أو لكسب ثقته، ولتحقيق ذلك، قد لا يخدعه مباشرةً، بل يتحايل لمقايضة متاعٍ ثمينٍ بمتاعٍ أثمن.

٧. التواطؤ: يقع البطل في الشّباك ويساعد غريمه دون قصد.

٨. اقتراف الشر: يتعرّض أفراد عائلة/أصدقاء البطل للايذاء (القتل، التعذيب، الاختطاف، السرقة .. إلخ).

٩. حدث ترابطي: يتناهى إلى معرفة البطل الأمور السيئة الّتي ارتكبها غريمه ويدرك بأنّه وقع في الخديعة.

١٠. الرد المضاد: يأخذ البطل على عاتقه إيجاد طريقة لحلّ الأمور السيئة الّتي أصابت ذويه، بإيجاد سلاحٍ سحري مثلاً، أو باللجوء إلى من هو أخبر منه، أو بالتحالف مع عدوٍ سابق.

الشخصيات

بالإضافة للأجزاء الوظيفية لبنية القصّة، وضع بروب نماذج وظيفية ثابتة لأنواع الشخصيات هي: البطل، الغريم، المرسِل (المسؤول عن إرسال البطل في رحلته)، المساعد، الأميرة أو الهدف، المتبرّع (بالأدوات والقوى السحرية)، البطل الكاذب (من ينسب أفعال البطل إلى نفسه زورًا)، .


بالنّسبة لبروب، لا طائل من نظرياتٍ لا يمكن تعميمها، وعلى عكس غريمه البنيوي الّذي تأثّر به كلود ليفي ستروس والّذي ركّز في أعماله على السياقات والعناصر الثقافية الّتي تختلف من عمل إلى آخر، ركّز بروب على تحليل البنية الخطّية للسرد والخروج بنظام قادر على إنتاج معادلةٍ أو صيغة تمثّل حبكة لكل حكاية.

قد يبدو هذا الهدف سخيفًا لأولئك الذين يقدّرون الأصالة والفرادة وينفرون من إقحام العلموية في المجالات الإنسانية، لكنّ دراسة بروب اقتصرت على الأعمال الشعبية، والأعمال الشعبية ليست فريدة بطبيعتها، بل تمثّل وعيًا جمعيًا، وبالتالي فإنّ الخروج بسماتٍ مشتركة بينها ليس بالأمر الغريب، إنّما الغريب أنّ نتائج بروب، ورغم تعرّضها للانتقاد، ووصفها بالتعنّت والجمود، شكّلت حجر أساس للدراسات البنيوية، وأثّرت على العديد من النقاد بعده، واستُخدمت في الدراسات السردية لا المتعلقة بالقصة الشعبية فحسب، بل بالرواية والأفلام والمسلسلات وأشكال شتّى للسرد.

ومثل أرسطو وغوستاف فريتاغ، لم يكن هدف بروب الخروج بنموذج توليديّ للقصّة، بل الكشف عن القواعد الأساسية لها، مع ذلك، استفاد البنيوين في القرن العشرين وفي قرننا هذا من هذه النّظريات الثلاث لوضع نماذج توليدية لعلّنا نستعرضها في بقيّة مقالات هذه السّلسلة.