يقول ليوناردو دافنشي إن "الطبيعة هي مصدر كل معرفة حقيقية"، وقياساً على ذلك.. يمكن النظر للطبيعة، بسمائها وأرضها، بأشجارها وحيواناتها، بمائها وطينها، باعتبارها مصدر المعرفة الأول للكاتب، المعلم الذي يتلقى منه دروسه الأولى، قبل أن يدرك معنى القراءة والكتابة.

وأهم الدروس يأتي من التاريخ، مما كان وانتهى، وأعني هنا الحيوانات المنقرضة، تلك التي نجلس في صالات السينما نشاهد حكاياتها المُتخيلة، ونحن نلقم أفواهنا الفاغرة بالفيشار، من دون أن نسأل أنفسنا ـ ككتاب ـ سؤالاً بسيطاً: ما وجه الشبه بينها وبيننا؟ ما الذي يمكن أن نتعلمه منها حتى لا نلحق بها؟

لكن لماذا الديناصورات تحديداً؟ لأنها كانت الأضخم، الأكثر سيطرة، سادة العالم، إذا تحركت على العشب هربت الحيوانات البرية إلى مخابئها وأوكارها، إذا رفعت رأسها وتجشأت، حلقت الطيور بعيداً. ومع ذلك، رغم كل تلك الهيبة انقرضت، اختفت تماماً كما اختفى كُتّاب كانوا يوماً ملء السمع والبصر، ثم لم يعد يتحدث عنهم أحد، ما يذكر بمصير بعض الأموات في فيلم الرسوم المتحركة الأمريكي Coco الصادر عام 2017.

التعلم من كائن منقرض، يعني أن تتحاشى مصيره، وغني عن القول إنني أعني بالانقراض هنا النسيان، وليس موت الجسد، أن يعيش الكاتب فلا يعرفه أحد، أو يموت فلا يبقى له ذكر، أليس الخلود هو أحد هواجس الكتابة؟ خلود الكلمة، وخلود اسم صاحبها. أليس أكثر ما يخشاه الكاتب أن ينقرض ذكره، فتتوقف المطابع والقراء ورواد المقاهي عن ترديد اسمه.

صديقي الكاتب.. العالم لا يفهمك، والنقاد يتآمرون عليك، وقراؤك لم يولدوا بعد، لذا ربما أنت بحاجة للقراءة عن مصير الديناصورات.

صديقي الكاتب الديناصور.. الانقراض احتمال ثقافي أيضاً، وهذه الوصايا لك.

١ـ الحجم لا يحمي من الفناء

كانت النصيحة الأولى التي قدمها اللمبى لعلاء ولي الدين في فيلمه الشهير "الناظر" هي "اوعى يغرك جسمك"، أي لا تدع حجمك يخدعك ويوهمك بالقوة. تصلح هذه النصيحة لتقديمها للديناصورات التي سيطرت على الأرض ملايين السنين ثم انتهت، كما تصلح للكاتب الذي يمتلك موهبة ضخمة، موهبة تشع نوراً وتسرق الأضواء ممن حولها، يصفق لها كل من يراها ويغار منها الكتاب الكبار، لكن صاحبها لا يقدم لها شيئاً في المقابل. لأن الموهبة إذا لم تُغذّها ستذبل وتذوي ثم تضمر حتى تتلاشى. والقراءة المستمرة ومتابعة الأشكال الفنية الجديدة وتطوير الأسلوب واللغة هو الضمانة الوحيدة للاستمرار.

٢- كن مرنًا

يقول تشارلز داروين في كتابه أصل الأنواع: "البقاء ليس للأقوى ولا للأذكى، بل للأكثر استجابة للتغيير والأكثر قدرة على التكيف مع ظروف البيئة" وقد كانت الديناصورات قوية، لكنها لم تكن مرِنة بما يكفي لتتجاوز التغيرات المفاجئة في البيئة، فانقرضت رغم عظمتها.

والكاتب الذي يتمسك بأسلوب واحد، أو صوت واحد، أو تصور واحد عن الأدب، ويعادي الأنواع الإبداعية الأخرى وتطورها وينزع عنها صفة الفن لأنها لا تشبه ما يكتبه، يعرض نفسه ونصه للجمود.

قدمت السينما الأمريكية سبعة أفلام عن الديناصورات (الحديقة الجوراسية)، سيضحك الجمهور عليك إذا قدمت الآن فيلماً بنفس تقنيات الفيلم الأول في التسعينات، وكذلك لا يمكنك الآن أن تكتب رواية بطريقة المنفلوطي ـ إلا في سياق فني ـ لأن الكتابة ـ والفن عموماً ـ كائن حي ينمو ويتطور، ويستفيد من معطيات عصره.

على سبيل المثال: بعض كتاب القصيدة العمودية يشهرون سيوفهم في وجه قصيدة التفعيلة، وبعض كتاب التفعيلة يغرسون خناجرهم في صدر قصيدة النثر، وبعض كتاب قصيدة النثر يمثّلون بجسد أي تجريب جديد محتمل، كأن كل فريق منهم يحمل وحده مفاتيح أبواب "الكتابة الحقيقية" ولن يسمح لأحد بالدخول إلا بإذنه. مع أن القاعدة الأولى في الإبداع هي أن "مفتاح الكتابة" مشاع ومتاح للجميع، ولا سيما لمن يتجاوز المعتاد.

نهر الكتابة سيظل جارياً، وسيجرف في طريقه كل من علق في الماضي، خيلاء أو تكلّساً، وعلى الكاتب أن يغير جلده من وقت لآخر حتى لا يُدفن فيه، وأن يراقب التغيرات من حوله حتى لا تفاجئه، فيجد نفسه فجأة خارج الزمن.

قوة الديناصورات الجسدية لم تحمها من طوفان التغيير، وكذلك القوة الأدبية وحدها لا تكفي الكاتب المتكلس أسلوبياً وفكرياً، لأن المرونة جزء أصيل من فنية الكتابة.

٣. لا تستسلم للوحوش

لم يكن انقراض الديناصورات فجائياً، بل سبقه تغيّر في البيئة، وظهور حيوانات ووحوش أخرى، ربما ليست أكبر في الحجم، لكن من المؤكد أنها أذكى وأكثر سرعة وتكيفاً. وبالمثل: تتغير الكتابة من جيل إلى جيل، وتختلف ذائقة القارئ، وتتحول الأسئلة، وتتبدل حساسية اللغة، وتدخل وسائل جديدة إلى المشهد الأدبي، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح بعض الكتاب يعتمد تماماً عليه فأصبح أسيراً له، بعد أن أقنعه أنه يكتب أفضل منه، وأنه سيصيغ الجملة برونق لا يضاهي، وأنه سيحل كل مشاكله لغة وصياغة وأفكاراً، في البداية يشعر الكاتب ببعض الراحة ويصاب بتوهم القوة، ثم يتسلل الكسل إلى مناطق التفكير في عقله، ومع الوقت تذوي موهبته وتضمر تماماً.

ربما بعد سنوات قليلة ستمتلئ أرفف المكتبات بكتب من تأليف الذكاء الاصطناعي، ويقف الكتاب الحقيقيون ـ أو من تبقى منهم ـ أمامها بيأس، وهم يعرفون أن أمامهم خياران: إما أن يستسلموا وينقرضوا، أو أن يقاوموا بالاستمرار في الكتابة والتجريب واجتراح مسارات جديدة للفن، بتغيير النمط والفكرة، بتأكيد أن الأفضلية ستظل لهم، لأن ذلك المسّ الذي يعتريهم عند الكتابة، لن يصل أبداً إلى الذكاء الاصطناعي.

٤. احترس من النيازك

حدث انقراض الديناصورات، قبل 65 مليون سنة، بين العصرين الطباشيري والباليوجيني، على الأرجح بسبب اصطدام نيزك أو كويكب بالأرض، تسبب بإطلاق سحب من الغبار والحطام إلى الغلاف الجوي مما حجب ضوء الشمس وغير المناخ بالكامل.

وأنت، عزيزي الكاتب الديناصور الصغير، قد تواجه شيئاً مماثلاً في حياتك، قد تقابل الكثير من النيازك، فكثير من الكتّاب يتوقفون بسبب صدمة مفاجئة مثل نقد قاس، أو تجاهل، أو فشل أول كتاب، أو رفض دور النشر، أو "سدة كتابة" طويلة، أو انشغال في العمل والزواج والأولاد. قد لا تستطيع أن تتفادى الضربة، لكن المهم أن تواصل بعدها.

لا تتوقف عن المحاولة، لأن النص التالي بعد كل صدمة هو اختبار النجاة الحقيقي.

٥. انتبه للتحذيرات

انقراض الديناصورات هو ثاني أعظم انقراض حدث على وجه الأرض، بعد الذي حدث في أواخر العصر البرمي،قبل 251.9 مليون سنة، وقضى على نحو 96% من الأحياء البحرية، ونحو 70% من الفقاريات الأرضية.

وعليك أيها الكاتب الديناصور، ألا تكون ضحية الانقراض الثالث، فالديناصورات لم تفُض الرسالة التي وصلتها من الانقراض الأول، تجاهلت التحذيرات وتعاملت مع الأمر باعتباره مأساة ولن تتكرر، والكاتب لا يجب أن يخاف من الفشل، بل من التوقف التام، لذلك عليه أن يقرأ الرسائل والإشارات، أن ينتبه إلى التحذيرات المتمثلة في مراكمة الأعذار، وتجاهل الأفكار الملحة، وتأجيلها، والسخرية الداخلية منها.

الكاتب الذي يكتب في أسوأ حالاته ينجو، أما الكاتب الذي يستسلم للكسل ينقرض، والاستسلام يحدث بالتدريج، بتأجيل أو تجاهل كتابة نص، بالتوقف عن القراءة، حتى يعتاد حياته دونهما، وهكذا تخفت الأشياء المتعلقة بالإبداع في روحه، ويغدو وجودها غريبا على حياته. ثم يصمت تماماً إيذانا بدخول عصر الانقراض الثالث.

لذلك ففي بعض الأحيان، يكون الصمت الطويل أخطر من النص السيئ غير المنشور.

٦ـ خطة النجاة

الطيور، أحفاد الديناصورات، نجت لأنها تكيفت، صغرت وغيرت نمط حياتها. وبالمثل، يستطيع الكاتب أن ينجو من "سدة الكتابة" بأن يكتب فقرات قصيرة غير مكتملة، وربما غير مجدية في ظاهرها، وغير ذات أهمية، لكنها تمرن عضلة الإبداع يومياً.

الكتابة تحتاج إلى جهد كبير وتعب وسهر وأرق وألم، يقول صلاح جاهين: "الشعر شارد في الجبل مني، عملت أنا هجان ورحت وراه"، فالشاعر يعرف أن الوصول إلى الشعر بعيد المنال، لأنه في قمم الجبال وتعاريجها وكهوفها، لكنه لم ينتظر عودته لأنه "شرد" وربما لن يعود، لذا قام بتجهيز عدته وانطلق خلفه لإعادته، غير مبال بمصاعب الطريق.

الكاتب الذي ينجو هو من يقبل بالنصوص الصغيرة وبالمسودات وبالمحاولات. ليس شرطاً أن تكتب رواية كاملة في شهر واحد، فلو كتبت كل يوم فقرة واحدة، سيصبح لديك على المدى الطويل فصلاً يراكم فصلاً حتى تكتمل الرواية.. المهم أن تبدأ. اكتب أقل، لكن بشكل يومي أو دوري، وستنجو.

٧. البيئة القاسية تكشف الضعف

كشف النيزك ضعف الديناصورات، لكنه لم يصنعه. وبالمثل، فالأزمات لا تقتل الكاتب ولا تدفعه للتوقف، فقد تكون الشرارة التي تولّد أفضل إبداعاته. فلا تقول أنا مشغول، أنا مفلس، أنا مكتئب، لا وقت لدي، حياتي مأساة، فهناك عشرات الكتاب كتبوا أعمالهم وهم في السجون وفي المناجم وعلى جبهات الحروب وأسرة المستشفيات، واستفادوا من هذه البيئة القاسية في أعمالهم، بل كانت سببا في خلودهم. أمل دنقل كتب أحد أفضل دواوينه "أوراق الغرفة 8"، وهو على سرير المرض قبل وفاته، كافكا عانى من السل ورغم ذلك كتب أهم أعماله وهو مريض، فيكتور هوغو عانى من النفي السياسي خارج فرنسا، وكتب خلال ذلك أشهر أعماله "البؤساء".

التجارب والخبرات والضغوط هي التي تصنع الإبداع الحقيقي، يقول إرنست هيمنجواي: "الطفولة التعيسة هي أفضل تدريب يخضع له الكاتب"، لذا لا تنتظر أن يكون لديك وقت فراغ طويل وأن تذهب إلى جزر المالديف لتكتب هناك، لأن هذا الأمر ـ اعذرني على صراحتي ـ لن يحدث. وما لا يُكتب في الشدة.. لن يُكتب في الرخاء.

٨. لا تعش على الماضي

نجحت الديناصورات في البقاء طويلاً، فظنت أن ذلك يكفي، ولم يخطر ببالها أن العالم يتغير. وبالمثل، فإن الكاتب الذي يعيش على نجاح نص واحد، ويظل يكرره، سينتهي به الأمر إلى الفشل، وقد ينفض عنه الجمهور نفسه الذي صنع نجاحه الأول.

أحياناً يتحول "النص الناجح" إلى فخ، يظن الكاتب أنه ملاذه الآمن، فيعيد الصيغة التي أحبها الجمهور طمعاً في "النجاح المضمون"، بينما القراء أنفسهم يتغيرون ويبحثون دائماً عن التجديد، فعلى سبيل المثال عرف الكثيرون باولو كويلو من روايته الأشهر "الخيميائي"، لكنه لم يخرج من ثوبها ولم ينجح بعدها، كما استثمر دان براون نجاح "شيفرة دافنشي" في أعماله اللاحقة فظلت تدور في فلكها ولم تتجاوزها.

وأحياناً يصبح النجاح قيداً يمنع صاحبه من التحرك خطوة للأمام، ولعل النموذج الأشهر في هذا السياق هو الكاتب الإنجليزي آثر كونان دويل، مبتكر شخصية شيرلوك هولمز. فقد أصبح أسيراً لها بسبب تعلق الجمهور بها، حتى إنه عندما حاول قتلها لينجح بأعمال أخرى، اضطر لإعادتها للحياة مرة أخرى تحت ضغط القراء، فأصبح مؤلف الشخصية الواحدة.

على كل كاتب ديناصور أن يدرك أن كل نص جديد هو مغامرة جديدة. لذا اكتب كل نص جديد كأنه نصك الأول.

٩ ـ أفلام الديناصورات مملة

بالمناسبة، أفلام الديناصورات ليست مسلية، قد تعجبك عند المشاهدة الأولى، وربما عند مشاهدة جزء واحد منها، لكنك في المرات التالية ستمل، ستكتشف الخدعة وتتوقع الأحداث. يمكنك أن تفهم حبكتها من فيلم واحد، وبعد ذلك لن تجد اختلافاً كبيراً بين فيلم ستيفن سبيلبرج الأول "الحديقة الجوراسية" الذي قدمه عام 1993، وبين فيلم غاريث إدوارد "العالم الجوراسي ـ البعث" الذي قدمه عام 2025، وبين خمسة أفلام أخرى جاءت بينهما.

لذا، فالأفضل لك أن تذهب إلى الغابة بنفسك، أن تخوض المغامرة كاملة، أن تترك عينيك تراقبان الحياة في تفاصيلها البسيطة، فالكاتب يتعلم على الدوام من كل ما حوله دون أن يقصد ذلك، ممن هو أكبر منه وممن هو أصغر، يتعلم من القطط في المقاهي، من الباعة الجائلين في الشوارع، يستفيد من حديث سريع مع بائع في سوبر ماركت، أو من مقال مجهول عن أسراب القريدس التي تحمي صغارها من هجمات السلطعون المتكررة.

لا تغلق الباب على نفسك وتقول أنا كاتب. استفد من رتابة حياتك المملة، اقرأ، شاهد أفلاماً، امشِ كثيراً،

عش الحياة، غذّ قلبك بتفاصيلها البسيطة.. ثم اكتب بعدها.